القرطبي
307
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الثانية - لما تقدم في الآية التي قبل ذكر الانفاق في سبيل الله على العموم بين في هذه الآية أن ذلك الحكم والثواب إنما هو لمن لا يتبع إنفاقه منا ولا أذى ، لان ( 1 ) المن والأذى مبطلان لثواب الصدقة كما أخبر تعالى في الآية بعد هذا ، وإنما على المرء أن يريد وجه الله تعالى وثوابه بإنفاقه على المنفق عليه ، ولا يرجو منه شيئا ولا ينظر من أحوال في حال سوى أن يراعى استحقاقه ، قال الله تعالى : " لا نريد منكم جزاء ولا شكورا ( 2 ) " . ومتى أنفق ليريد من المنفق عليه جزاء بوجه من الوجوه فهذا لم يرد وجه الله ، فهذا إذا أخلف ظنه فيه من بإنفاقه وآذى . وكذلك من أنفق مضطرا دافع غرم إما لمانة للمنفق عليه أو لقرينة أخرى من اعتناء معتن فهذا لم يرد وجه الله . وإنما يقبل ما كان عطاؤه لله وأكثر قصده ابتغاء ما عند الله ، كالذي حكى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن أعرابيا أتاه فقال : يا عمر الخير جزيت الجنة * اكس بنياتي وأمهنه وكن لنا من الزمان جنه * أقسم بالله لتفعلنه قال عمر : إن لم أفعل يكون ماذا ؟ قال : إذا أبا حفص لأذهبنه قال : إذا ذهبت يكون ماذا ؟ ! قال : تكون عن حالي لتسألنه * يوم تكون الأعطيات هنه وموقف المسؤول بينهنه * إما إلى نار وإما جنه
--> ( 1 ) عبارة ابن عطية كما في تفسيره : " . . . وذلك أن المنفق في سبيل الله إنما يكون على أحد ثلاثة أوجه : إما أن يريد وجه الله تعالى ويرجو ثوابه فهذا لا يرجو من المنفق عليه شيئا ، ولا ينظر من أحواله في حال سوى أن يراعى استحقاقه . " إما أن يريد من المنفق عليه جزاء بوجه من الوجوه فهذا لم يرد وجه الله ، بل نظر إلى هذه الحال من المنفق عليه . وهذا هو الذي متى أخلف ظنه من بإنفاقه وآذى . وإما أن ينفق مضطرا دافع غرم إما لمانة للمنفق عليه أو قرينة أخرى من اعتناء معتن ونحوه ، فهذا قد نظر في حال ليست لوجه الله ، وهذا هو الذي متى توبع وجرح بوجه من وجوه الجرح آذى . فالمن والأذى يكشفان ممن ظهرا منه أنه إنما كان على ما ذكرناه من المقاصد ، وأنه لم يخلص لوجه الله تعالى . فلهذا كان المن والأذى مبطلين للصدقة من حيث بين كل واحد منهما أنها لم تكن صدقة " . ( 2 ) راجع ج 19 ص 128